الشيخ عبد الغني النابلسي
70
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
[ البقرة : 213 ] لا يوصفون بإيمان ولا كفر ولا طاعة ولا معصية لأن ذلك معروف شرعا لا عقلا ، فبعث اللّه النبيين يفرقون ويميزون بنفس تبليغهم عن ربهم ، فمن صدقهم آمن ومن كذبهم كفر ، والمصدق لهم إن تبعهم أطاع وإن خالفهم عصى ، وليس لهم من الأمر شيء ، وإنما كانوا مبشرين من صدقهم واتبعهم بالدرجات النورية ، ومنذرين من كذبهم وخالفهم بالدركات النارية ، وعلى قدمهم جميع الورثة لهم إلى يوم القيامة ، فقد ظهر في الدنيا كيفية ختمهم على جميع الخزائن في الآخرة . ثم لما علمت وتقرر عندك أن الإنسان الكامل مخصوص بظهور الروح الأمري فيه دون غيره من العالم . فاعلم أن هذا الروح الأمري هو ظهور الصورة الإلهية التي هي ليست بكيفية ولا هيئة ، وإنما هي مجموع صفات قدسية وأسماء غيبية تنزيهية ولهذا قال : ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهية ) المنزهة عما نفهم أو نعقل من جميع التصورات ( من الأسماء ) الغيبة بيان لما في الصورة الإلهية ( في هذه النشآت الإنسانية ) الكاملة ( فحازت ) هذه النشآت المذكورة ( رتبة الإحاطة والجمع لهذا الوجود ) ، كله أعلاه وأسفله فجمع بروحه الأمري المنفوخ فيه حضرة التجلي الذاتي الإلهي ، وأحاط بجميع التجليات الصفاتية والاسمائية من حيث إمداده الأبدي ، وجمع بنفسه وجسمه بين جميع النفوس الفلكية والحيوانية وأحاط بجميع ذلك علما فهو المضاهي بباطنه للحضرة الإلهية ، وبظاهرة للحضرة الكونية فيستمد من اللّه تعالى ويمد الكون ، فهو البرزخ بين الحق والخلق ( وبه ) ، أي بهذا الإنسان الكامل ( قامت الحجة للّه تعالى على الملائكة ) ، لما قال لهم : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] ، ثم إنه تعالى أظهر لهم ما لا يعلمون فخلق آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه الأمري وعلمه الأسماء كلها وأقام عليهم الحجة بذلك ، فاعترفوا بعد ذلك بالحق و قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] . وكان ينبعي لهم أن يقولوا ذلك من أول الأمر قبل طعنهم ومدح أنفسهم لمن يعلم ما لا يعلمون ولكن إنما ظهر منهم ما هم فيه من القصور عن المرتبة الآدمية الكاملة كما سبق أنهم بمنزلة قوى جسد العالم وكل قوّة منها محجوبة بنفسها ألا ترى أفضل من ذاتها إلى آخره ولولا عصمة اللّه تعالى وحفظه للملائكة لجحدوا وعاندوا كما جحد إبليس وعاند وجحدت أولاده وعاندت إلى يوم القيامة . * * * فتحفّظ فقد وعظك اللّه بغيرك ، وأنظر من أين أتي على من أتي عليه .